المرجعية الدينية العليا ومعيار اختيار رئيس مجلس الوزراء ومسؤولية الكتلة الأكثر عددً … من الامتناع عن تسمية الأسماء إلى إلزام القوى السياسية بالمعايير …
منذ عام 2003، دأبت المرجعية الدينية العليا والمتمثلة بسماحة المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني (دام ظله)
في النجف الأشرف على تثبيت معادلة دقيقة في علاقتها بالسلطة السياسية، قوامها التحفّظ عن التدخل في تسمية الأشخاص، مقابل القيام بواجبها الشرعي والوطني في رسم الإطار العام الحاكم للاختيار.
وهي معادلة لم تُبنَ على موقف ظرفي أو ردّة فعل آنية، بل تبلورت عبر خطب وبيانات متراكمة، تحوّلت بمرور الوقت إلى ما يمكن وصفه بـ “الدستور الأخلاقي” لاختيار شاغلي المواقع التنفيذية العليا، وفي مقدمتها رئاسة مجلس الوزراء.
هذا المنهج لم يكن انعزالًا عن الشأن العام، ولا تخلّيًا عن المسؤولية، بل كان تعبيرًا عن فهم دقيق لتوزيع الأدوار:
فالمرجعية لا تحكم، ولا ترشّح، ولا تزاحم المؤسسات الدستورية، لكنها في الوقت ذاته لا تترك الشأن العام بلا ميزان، ولا تسمح بأن يُدار بمنطق الصفقات أو الغلبة أو الأمر الواقع.
وتأتي الرسالة المؤرخة في 10 / 1 / 2026، المنقولة عن سماحة السيد محمد رضا السيستاني، لتؤكد هذا المسار وتضع حدًا لأي التباس قد يُراد إحياؤه:
«سبق أن أوضحت المرجعية الدينية العليا أنها ترفض أن تطرح عليها أسماء المرشحين لموقع رئاسة مجلس الوزراء.
فلماذا إعادة المحاولة؟!»
وهذه العبارة، على وجازتها وقصرها ، ليست جواب اعتذار ولا تنصّل، بل جواب يحدد حدود الاختصاص.
فالمرجعية ترفض أن تتحول إلى جهة تسمية أو ترجيح بين الأسماء، لأنها ترى في ذلك تحميلًا لها ما لم تُكلَّف به شرعًا ولا دستورًا، لكنها في المقابل لم تترك فراغًا، بل ملأته بمعايير واضحة وصريحة، أعلنتها على الملأ، وكرّرتها عند كل منعطف، ووضعت القوى السياسية أمام مسؤوليتها الكاملة في الالتزام بها وكررتها في مواضع ومواقع وخطب وبيانات عدة ويمكن تلخيص هذه المعايير، من خلال تتبع خطبها وبياناتها، في جملة من الضوابط الأساسية باثنى عشر معياراً وكالاتي :-
المعيار الاول :- الكفاءة بدل المحاصصة .
في واحدة من أوضح خطبها خلال صيف 2015، حسمت المرجعية طبيعة المنصب التنفيذي بقولها:
«المناصب العامة ليست غنائم ولا استحقاقات انتخابية، وإنما هي مسؤوليات ينبغي أن تُسند إلى الأكفأ والأصلح.»
(خطبة الجمعة – 31 تموز 2015)
وبهذا النص، نزعت المرجعية عن رئاسة مجلس الوزراء صفة “الحق السياسي” أو “الاستحقاق العددي”، وأعادته إلى موقعه الطبيعي بوصفه تكليفًا مشروطًا بالكفاءة، لا ثمرةً للمحاصصة أو نتيجةً لتوازنات عابرة.
المعيار الثاني :- لا لإعادة تدوير الفشل
وفي ذروة الجدل حول “التغيير”، شددت المرجعية على أن التغيير الحقيقي لا يكون شكليًا، بقولها:
«التجارب السابقة أثبتت فشل كثير ممن تولّوا المسؤولية، ولا يصح إعادة تقديمهم بوجوه جديدة.»
(خطبة الجمعة – 14 آب 2015)
وهو موقف لا يعبّر عن رغبة في الإقصاء، بل عن حرص على منع تكرار الإخفاق، ووضع حدّ لإعادة إنتاج الفشل تحت عناوين جديدة.
المعيار الثالث :- النزاهة شرط سابق على السياسة
ولم تكتف المرجعية بالدعوة العامة لمحاربة الفساد، بل ربطت المنصب ابتداءً بالسجل الشخصي، حين قالت:
«لا بد من اختيار من عُرف بالنزاهة والاستقامة، وعدم التساهل مع الفاسدين مهما كانت مواقعهم.»
(خطبة الجمعة – 7 آب 2015)
وبذلك، جعلت النزاهة شرط أهلية، لا شعارًا يُرفع بعد التكليف ولا ملفًا يُدار سياسيًا.
المعيار الرابع :- الدستور حدّ السلطة
وفي سياق التحذير من الانزلاق نحو الفوضى أو الاستبداد، أكدت المرجعية:
«إن احترام الدستور والعمل في إطاره هو الضمان الأساس لمنع الاستبداد والفوضى.»
(خطبة الجمعة – 13 تشرين الثاني 2015)
وهو معيار يربط شرعية الأداء التنفيذي بالالتزام الصارم بالنص الدستوري، لا بتأويلات الضرورة ولا بمنطق الأمر الواقع.
المعيار الخامس :- الدولة وحدها تملك السلاح
وفي ما يتصل بالسيادة والأمن، كان موقف المرجعية واضحًا لا لبس فيه:
«لا بد أن تكون القوة بيد الدولة وحدها، وأن تُصان سيادة العراق من أي تجاوز.»
(خطبة الجمعة – 19 شباط 2016)
وهو تأكيد على أن استقامة القرار التنفيذي تبدأ من حصرية السلطة والسلاح، وصون الدولة من التعدد والتشظي.
المعيار السادس :- المؤسسات لا الأشخاص
ورفضت المرجعية مبكرًا نماذج الحكم الشخصاني، بقولها:
«الدولة لا تُبنى بالأفراد مهما كانت نياتهم، بل بالمؤسسات الدستورية الراسخة.»
(خطبة الجمعة – 4 أيلول 2015)
وفي ذلك قطع للطريق على فكرة “الرجل المنقذ”، وتأكيد على أن بقاء الدولة مرهون بالمؤسسات لا بالأشخاص.
المعيار السابع :- الجرأة على القرار لا الشعبوية
وحين طالبت بالإصلاح الحقيقي، ربطته بالشجاعة السياسية:
«الإصلاح الحقيقي يتطلب قرارات شجاعة قد لا تحظى بالقبول الآني، لكنها ضرورية.»
(خطبة الجمعة – 11 أيلول 2015)
فالمعيار هنا ليس مستوى الرضا اللحظي، بل القدرة على اتخاذ القرار الصحيح وإن كان مكلفًا.
المعيار الثامن :- الأفعال قبل الشعارات
وفي نقد مباشر للخطاب الإنشائي، قالت المرجعية:
«كثرة الكلام عن الإصلاح لا قيمة لها ما لم تُقترن بخطوات عملية واضحة.»
(خطبة الجمعة – 23 تشرين الأول 2015)
وهو ميزان عملي لتقييم البرامج والمرشحين، بعيدًا عن اللغة الإعلامية.
المعيار التاسع :- تحمّل المسؤولية
وفي توصيفها لطبيعة المنصب التنفيذي، أكدت:
«من يتصدّى للمسؤولية عليه أن يتحمّل تبعاتها، ولا يصح تعليق الإخفاق على الآخرين.»
(خطبة الجمعة – 30 تشرين الأول 2015)
فالمنصب، وفق هذا الفهم، تكليف كامل لا يُجزّأ، ومسؤولية لا تُرحّل.
المعيار العاشر :- المواطن أولًا
وفي ملف الخدمات والكرامة الإنسانية، كان موقف المرجعية حاسمًا:
«توفير الخدمات الأساسية للمواطنين وحفظ كرامتهم من أولى واجبات الدولة.»
(خطبة الجمعة – 28 آب 2015)
المعيار الحادي عشر :- لا لسياسات الإفقار
وفي الشأن الاقتصادي والاجتماعي، حذّرت المرجعية من الخيارات التي تُرهق الفئات الأضعف:
«أي سياسة تزيد من معاناة الفقراء وتوسّع الفجوة الاجتماعية هي سياسة خاطئة.»
(خطبة الجمعة – 6 أيار 2016)
المعيار الثاني عشر :- رئيس وزراء لكل العراقيين
وختمت المرجعية الإطار الوطني الجامع بقولها:
«المسؤول التنفيذي الأعلى يجب أن ينظر إلى جميع العراقيين على قدم المساواة دون تمييز.»
(خطبة الجمعة – 26 آب 2016)
إن رسالة 10 / 1 / 2026 لا تعني انسحاب المرجعية من الشأن العام، بقدر ما تعني إعادة تثبيت حدود الدور ومنع الخلط بين المسؤوليات.
فالمرجعية:
• لم ولن تسمّي أشخاصًا،
• ولم تقبل أن تكون طرفًا في التنافس السياسي،
• لكنها في المقابل سمّت المعايير، وكرّرتها، ووضعت القوى السياسية أمام مسؤوليتها الأخلاقية والوطنية في الالتزام بها .
وعليه، فإن مسؤولية الكتلة الأكثر عددًا لا تكمن في البحث عن “مباركة”،
بل في اختيار مرشح يمكن الدفاع عنه أمام هذه المعايير،
لأن الإخفاق في الاختيار، بعد كل هذا الوضوح، لم يعد التباسًا في الرؤية، بل مسؤولية سياسية كاملة.
جمال الاسدي



