مكتبة الشيخ بهاء الدين العاملي العامة تحتفي بالسيد الخرسان

أقامت مكتبة الشيخ بهاء الدين العاملي العامة في بيروت أمسية تكريمية لسماحة العلامة الدكتور السيد محمد هادي الخرسان بمناسبة نيله شهادة الدكتوراه من كلية الامام الاوزاعي للعلوم الاسلامية، بدرجة جيد جداً، وهي بعنوان “الكلمة في المنظور الاسلامي: دلالاتها، ضوابطها الشرعية، آثارها، مسؤوليتها الجزائية”.
وبعد تعريف موجز بالسيد المكرم من قبل عريف الاحتفال السيد علي الحسني، توالى المشاركون على الحديث بدءاً من ممثل سماحة السيد السيستاني دام ظله في لبنان، ورئيس جمعية آل البيت (ع) الخيرية الاستاذ الحاج حامد الخفاف الذي أشاد بصفات السيد المكرم الاخلاقية والعلمية، مشيراً إلى الجدل القائم حول توجهات رجل الدين للحصول على شهادة أكاديمية، انهاها بقصيدة شعرية من وحي المناسبة.
وتطرق الدكتور الشيخ مهدي الغروي إلى رسالة السيد المكرم عن (الكلمة) شارحاً أبوابها وفصولها ومميزاتها وأهميتها.
ثم توالى الشعراء بإنشاد قصائدهم: الشيخ الدكتور ابراهيم النصيراوي بقصيدة أرسلها للاحتفال، الاستاذ عباس عياد، الدكتور جودت القزويني، الشيخ حسن شاهين، الاستاذ حسن معتوق.
وفي الختام، القى السيد الدكتور هادي الخرسان كلمة شكر لكل من حضر وساهم في انجاح حفل التكريم.
وقد تم في نهاية الاحتفال توزيع رسالة الماجستير للسيد المكرم وعنوانها “العمل والتنمية الاقتصادية” على الحضور.
كلمة سماحة السيد علي الحسني
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم والصبلاة والسلام على أشرف الخلق محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين
السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته، وأسعد الله أيامكم بذكرى ولادة الإمام الحسن عليه السلام وفي هذه الأيام والليالي من الشهر الفضيل
يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم:
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.(سورة المجادلة آية 11)
تلوح في سمائنا دوما نجوم زاهرة لايخفت بريقها عنا، نترقب إضاءاتها بقلوب والهة، ونسعد بلمعانها في كل ساعة، فاستحقت وبكل فخر أن يرفع اسمها عاليا.
تتسابق الكلمات وتتزاحم العبارات لتنظم ما يستحقه هذا العلَم، الذي تبوّأ مراتب العِلم، وبذله دون مقابل،
حديثنا في هذا الحفل البهيج الذي يضم نخبة من ذوي الرأي والعلم والفضل والذي تقيمه مكتبة الشيخ بهاء الدين العاملي العامة لتكريم عالم من علماء الأمة الذين أبلوا بلاًء حسًنا في الدفاع عن قيم الإسلام وذلك بتبيين معالمه وأحكامه عن فارس هذه الأمسية سماحة العلامة الدكتور السيد محمد هادي الخرسان دام عزه التي نالت رتبة الدكتوراة شرفا بأن اقترنت باسمه، وهو الذي نشأ في النجف الأشرف، موئل العلم ومدينة المرجعية الرشيدة، وهو ابنها وسليل إحدى عوائلها العلمية العريقة، وُلد عام 1379 هجرية قمرية الموافق لعام 1959 ميلادية، وتربى في كنف والده آية الله العلامة السيد محمد رضا الخرسان تربية طهر وأخلاق، فقطف من ازاهير علومه عندما بدأ الدراسة على يديه، وكذلك درس على آية الله العظمى السيد أبي القاسم الخوئي قدس سره ، وبعده نهل من معين درس آية الله العظمى السيد علي السيستاني دام ظله، حتى اضطره النظام البائد إلى ترك النجف، فغادرها مكرها واستقر في لبنان فكان واحدا من العاملين فيه،
وكان قد حصل على بكالوريوس في الدراسات الإسلامية من كلية الفقه للدراسات الإسلامية في النجف الأشرف عام 1983 وبعد مجيئه إلى لبنان درس في كلية الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت فنال شهادة الماجستير عام 2000 وفي عامنا هذا 2016 نال من نفس الجامعة شهادة الدكتوراة في موضوع الفكر الإسلامي بدرجة جيد جدا عن أطروحته التي هي تحت عنوان:
(الكلمة في المنظور الإسلامي) دلالاتها، ضوابطها الشرعية، آثارها، مسؤولياتها الجزائية.
وقد أعدها بإشراف الأستاذ الدكتور علي دحروج، وناقشتها لجنة ضمت الأستاذ الدكتور نايف معروف، والأستاذ الدكتور أسامة كبارة، والدكتور محمد خير فرج.
وبالإضافة لمتابعته الحوزوية والأكاديمية، استمر في التدريس، وقد كنت واحدا ممن كرمهم فقبلهم من طلابه، فأمطر عليّ من جزيل علومه وأنقاها لسنوات، فله بعد شكر الباري تعالى أجزل شكر تلبية لما ورد في الحديث القدسي حيث قال:
آليت على نفسي أن أقبل شكر عبد على نعمة أنعمتها عليه حتى يشكر من خلقي من ساقها إليه.
وأردد ما قاله الشريف الرضي:
أَلبستني نعماً على نعم ورفعت لي علماً على علم
وَعَلَوْتَ بي حتّى مَشَيتُ على بُسطٍ مِنَ الأعناقِ وَالقِمَمِ
فلأَشكرنّ نداك ما شكرت خُضرُ الرّياضِ صَنَائِعَ الدِّيَمِ
فالحمد يبقى ذكر كلّ فتى وَيُبِينُ قَدْرَ مَوَاقِعِ الكَرَمِ
وَالشّكْرُ مَهْرٌ للصّنِيعَة إنْ طُلِبَتْ مُهُورُ عَقَائِلِ النِّعَمِ
وقد خبرت سيدنا المكرّم عن قرب فعرفته بأخلاقه الفاضلة وتواضعه واجتنابه للمشاكل ومعالجتها بأفضل الطرق، فرسم لي طريقا بأخلاقه وسلوكه قبل كلامه، وبالإضافة لهذا التميز هو نموذج عالم الدين الواعي للتحديات المحيطة بنا، وهو الجاد المثابر في حمل هذه المسؤولية والامانة، فنفعنا الله بعلومه وجعله ذخرا لهذه الامة ولهذا الدين .
وهو كالسحابة المعطاء تسقي الأرض لتخضرّ، وكالنخلة الشامخة تعطي بلا حدود،
فإذا نظرنا إلى بعض نتاجه نجده يركز على الأخلاق كما في كتابه ( محاضرات في علم الاخلاق) وعلى العمل الصالح كما هو عنوان رسالته للماجستير ( العمل والتنمية الاقتصادية)، وعلى الكلمة الحسنة كما هو عنوان رسالته للدكتوراة ( الكلمة في المنظور الإسلامي) وهذا ماطبع من كتبه ، ولديه نتاج لم يطبع وهو تقريرات أساتذته في الفقه والأصول وعلم الكلام، فجزاه الله عنا أفضل ماجزى المخلصين، وبارك الله فيه أينما حطت به الرحال.
كلمة ممثل سماحة السيد السيستاني دام ظله في لبنان، ورئيس جمعية آل البيت (ع) الخيرية الاستاذ الحاج حامد الخفاف
بسم الله الرحمن الرحيم
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.
أيها الحضور الكريم:
السلام عليكم جميعاً ورحمة الله وبركاته،
بإسمي شخصياً، وبإسم مكتبة الشيخ بهاء الدين العاملي العامة أتقدم بأسمى آيات التهنئة والتبريك لسماحة حجة الاسلام والمسلمين الدكتور السيد محمد هادي الخرسان بمناسبة نيله شهادة الدكتوراه في العلوم الاسلامية بتقدير جيد جداً من كلية الامام الاوزاعي عن رسالته الموسومة “الكلمة في المنظور الاسلامي…” كما اشكر الحضور الكريم فرداً فرداً وهم في بيتهم وفي مجمعهم، وقد جمعهم الوفاء لشخص رافقوه فأحبوه أخاً واستاذاً ومعلماً ومربياً. وهو داعية إلى الله بسلوكه وسيرته، وهو مصداق لقولهم عليهم السلام: “كونوا لنا دعاة بغير ألسنتكم”. فعُرف بيننا بالهدوء والاتزان والالتزام والترفع عن الصغائر وعدم الكلام إلا بما هو نافع ومفيد، وبين هذا وذاك علم وتواضع يزينه اعتدادٌ هو اعتداد المؤمن بنفسه، لأنه اعظم حرمة من الكعبة، كما قالوا عليهم السلام. ويا ليت المقام يتسع لأذكر بعض انطباعاتي عن السيد أبي حسن، من خلال تجربتي الشخصية معه، ولكن لهذه الامسية موضوع خاص.
أيها الاخوة الكرام،
أغتنم فرصة احتفاءنا بهذا السيد الجليل، لأسلط الضوء – بإيجاز – على نقطة جدلية في اجوائنا الحوزوية والجامعية، وهي اهتمام رجال الدين بالحصول على شهادة جامعية. فقد ذهب بعضهم إلى تقديم الاهتمام بالحصول على الشهادة الجامعية حتى على دروسه الحوزوية، فهي هدفه وأمنيته التي يسعى لتحقيقها حتى لو اضطر لمعادلة شهادات بطرق غير أكاديمية، وتوسل سبل غير مناسبة، وذهب بعض آخر إلى اعتبار ان سعي طالب العلم لهذه الأمور ملهاة في غير محلها، وهي تؤثر على تحصيله الحوزوي الجاد. وتحرف مسيرته الخالصة… إلى آخره.
والحقيقة فإن نموذج السيد هادي الخرسان هو النموذج الوسطي الأمثل. فالرجل أخذ قسطه من الدروس الجوزوية مقدمات وسطوح وبحث خارج، ولا يزال منشغلاً بها استاذاً ومدرساً، وناشطاً في مجال الاجابة على الاستفتاءات الشرعية، وعلى صعيد آخر تدرج أكاديمياً بشكل طبيعي من دون تكلف، فحاز على الليسانس ثم الماجستير، ثم انتظر خمس عشرة سنة عاكفاً على رسالته الدكتوراه حتى أكملها. ولم أذكر أنني رأيته في يوم من الأيام مستعجلاً للحصول عليها، أو متذمراً لتأخرها، بل لم نكن نحس ونحن الذين نعيش معه يومياً انها تمثل له هماً معيناً، رغم معرفتي الأكيدة انه كان يبذل جهوداً مضنية في العمل عليها تأليفاً ومتابعة للمصادر. هذا هو النموذج الصالح.
ما أريد قوله أننا نريد رجل الدين فوق الشهادة الأكاديمية، نريده سلوكاً يتحول دروساً يومية للمجتمع، ونريده سيرة نتعبد بها، فإذا حصل على شهادة الدكتوراه بعد ذلك فهي نور على نور، واضافة إيجابية جميلة لمعارفه وعلومه خصوصاً على مستوى علوم المنهج.
لعلّي أسهبت، وليس في الليل متسع إلا للغرام وحديث الهوى، ومن أولى به منك، أيها السيد الحبيب، يا ابن السادات الاطايب. وقديماً قيل:
إذا جمع الفتى حسباً ودينا فلا تعدل به أبداً قرينا
أما حسبك فمعروف، واما دينك فأيم الله انني عاشرتك حوالي العشرين عاماً فلم أجدك إلا حيث مرضاة الله. لباسك التقوى، ومنطقك النصيحة، واعظ متعظ، مؤتمن على الدين والدنيا، نرى فيك النجف، نرى فيك تواضعها، وسموها، وترفعها، وعلومها وآدابها، وصوراً تكاد تختفي في عالم حوزوي تعصف به المتغيرات.
سيدنا المكرم، أيها الاخوة الحضور:
صحيح اننا امرنا ان نحثو في وجوه المداحين التراب، ولكن الصحيح أيضاً أننا أمرنا أن لا نغبن الناس حقوقهم.
وما هذا التكريم وما قلناه إلا بعض حقك علينا.
أبارك لشهاده الدكتوراه بكم، فلقد ازدانت باسمكم وتشوفت، وانت بها جدير…
ولقد غالبني الشعر على النثر فغلبني، وانا منه على توجس دائم، فكانت هذه الابيات الاخوانية:
القصيدة:
ضاء الغري بروعة الإبداع كلية تنمى إلى الاوزاعي
وتألق الخرسان في جنباتها بحثاً وتحقيقاً وسيل يراعِ
قبسٌ من النجف الشريف ضياؤه من مركز التنوير والاشعاعِ
حتى إذا بسط الكلام بـ (كلمة) أغنى مطالبه بفكر واعِ
سبر المصادر والمراجع وانتضى سيف الدليل وصارم الاقناعِ
يحتج بالقرآن في أبحاثه بالنقل، ثم العقل، بالاجماعِ
هذي مناهج حوزة علمية رسخت معالمها كصخر قلاع
من ألف عامٍ تبزغ الشمس التي شعت مآثرها على الاصقاعِ
تلدُ الفطاحل رغم كل جراحها ما عاقها نوبٌ، وطيش نزاعِ
مهلاً أبا حسنٍ فهل من فسحةٍ كي ما أبثك لوعتي، أوجاعي
في كل بيت من بلادي أنة تدمي الفؤاد، حزينة الايقاعِ
وطن تناهشه الذئاب وبعضهم أهلي، غوتهم خمرة الاطماعِ
وعلت خفافيش الظلام سماءه وهوت عصافير الضحى للقاعِ
بلد تحيرت العقول بدائه وعصت رعيته كلام الراعي
اوّاه جرحك يا عراق، ينزّ من قلبي، يحز من الأسى أضلاعي
عفواً إذا امتزج السرور بغصةٍ سيان منشد بهجةٍ، أو ناعي
كلمة سماحة الشيخ الدكتور مهدي الغروي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطاهرين،
أشكر جمعية آل البيت عليهم السلام الخيرية ممثلة بالأخ العزيز الحاج حامد الخفاف على اقامة هذا الاحتفال التكريمي لسماحة العلامة السيد محمد هادي الخرسان بمناسبة نيله شهادة الدكتوراة في الدراسات الإسلامية ، خطوة مباركة وطيبة، لتكريم عالم جليل من عائلة جليلة تميزت بالتحقيق والتأليف والتدقيق والتعليم وقدمت خدمات علمية في سبيل حفظ التراث الإسلامي عامة ومدرسة أهل البيت عليهم السلام خاصة.
لقد كان سماحته موفقا في اختيار عنوان اطروحته ” الكلمة في المنظور الإسلامي : دلالاتها، ضوابطها الشرعية، آثارها ، مسؤولياتها الجزائية” ذلك لان الكلمة مهمة وخطيرة في حياة الانسان، فيها يلقي الانسان أفكاره إلى غيره، وبها يحصل على ما يريده، وفيها تتجلى الحقائق والمفاهيم ويتم التعارف بين البشر.
ان المشكلة الكبرى التي تعيشها الانسانية اليوم هي عدم التحسس بمسؤولية الكلمة بكل أشكالها المقرؤة والمنطوقة والمسموعة بشكل عام.
ان الاشكالية الاساسية التي أراد معالجتها في الدراسة هي عدم شعور الفرد غالبا بالمسؤولية إزاء استعمال الكلمة . فهي ليست مجرد أصوات يلفظها كيفما يشاء، وباي اتجاه أراد، أو يستمع اليها مهما كانت، ولا هي خطوط يرسمها باي معنى أراد، وفي اي وسيلة يختارها، بل الكلمة مسؤولية يتحملها الانسان، وموقف يحساب عليه الانسان عند الله تعالى. بهذا الاعتبار شعر الباحث بضرورة دراسة دلالاتها وضوابطها وآثارها ومسؤوليتها الجزائية ، وفق منهجية علمية موضوعية جادة.
لقد قسم سماحته رسالته إلى خمسة فصول بعد المقدمة والفصل التمهيدي تقسيماّ منطقياً مترابطاً وفق تسلسل منهجي واضح، إذ تناول في الفصل الأول دلالات الكلمة اللغوية والنحوية والبلاغية والأصولية والفلسفية ضمن مباحث خمسة معتمدا على المصادر الأساسية في هذه الدلالات الخمس منقبا ومدققا وشارحا وفق التسلسل الزمني لهذه المصادر حسب القرون الهجرية.
أما في الفصل الثاني فقد إستعرض موارد إستعمال الكلمة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فشرع في شرح وتوصيف الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة إنطلاقا من الآية المباركة في سورة إبراهيم الآية 24 {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) } وخصص لهذين الكلمتين مبحثين عرض فيهما الأوصاف التي تشير إلى طيب الكلمة ونفعها مثل الكلمة الحسنة والكلمة الصادقة والنافعة، والكلمة الخبيثة حيث عرض الأوصاف التي تشير إلى خبث الكلمة في دلالاتها من حيث عدم النفع والضرر الحاصل والفساد والسوء المترتب عن خطورة الكلمة الخبيثة، يستشهد الباحث إن خطورة الكلمة المنشورة والمسموعة لا تقل بحال عن خطورة المدفع والصاروخ إنها تصل إلى المرء في مخدعه ومكتبه وشارعه، ثم يعدد موارد الكلمة وفقا لتسلسل الألف باء: الباطل والتبديل والتحريف والجهل والسوء والظلم وعدم النفع والكذب.
وفي مجال إستعمال الكلمة في الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة خصص فصله الثالث في مجالات بيان أصول الدين الإسلامي من التوحيد والنبوة والمعاد، في مقام بين الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية، وفي مقام بيان الأخلاق، وأدخل في هذا المقام القصص التاريخية التي أشار إليها الكتاب العزيز والسنة النبوية الشريفة، لأن الهدف منها – كما يقول الباحث- أخذ العبرة وتهذيب النفس وهذا هو مجال التربية والأخلاق، ثم يضيف: وهذه المجالات الثلاثة تمثل أسس المعرفة التي على الإنسان أن يتحلى بها ليحصل على التربية الصالحة للإنسان: الفرد والمجتمع وذلك إنطلاقا من الإيمان الذي يدعو إليه القرآن الكريم والسنة المباركة.
ثم خصص الفصل الرابع في بيان الضوابط العامة والخاصة للكلمة في المنظور الإسلامي وفي تعريفه للضوابط العامة تشتمل أي كلام أو قول صادر سواء كان في العقيدة أو الفقه، أما الأخلاق فصاغها الباحث حسب التسلسل الألف بائي: إتباع العدل والإخلاص والإرادة والدعوة للحق والعقل ومراقبة الكلام وبيّن الضوابط الخاصة بـ : الحدود التي وضعها الله تعالى للكلمة في مجال ما دون آخر ولا تقم المجالات كافة، فإذ توافرت تأطر الكلام الصادر بإطار الشرعية وترتبت آثاره وذكر بعضها وفق التسلسل الألف بائي معتمدا الفقه المقارن من خلال عرض آراء علماء المذاهب الإسلامية على نحو الإجمال كما يقول الباحث وهي: الإختيار والبلوغ والتثبت والحسن والضبط والعربية والقدرة والقصد والكتمان والنطق.
أما الفصل الخامس فقد خصصه بالبحث حول آثار الكلمة والمسؤولية الجزائية في الشريعة الإسلامية، إذ إعتبر أن الكلمة الصادرة من الإنسان هي: أصوات تخرج من فمه ليسمعها آخر بإذنه أو تستتر على شيء فيبصرها ثالث بعينه، أو يكتبها رابع بيده، فهي تستخدم أربع حواس من الحواس الخمس وعليه لا بد من مراقبة آثار الكلمة ومتابعة نتائجها في الحياة الخاصة للفرد والحياة العامة للمجتمع لأجل تحفيز الفرد على المراقبة جعلت الشريعة الإسلامية حوافز لإتباع المنهج السليم لإستعمال الكلمة فتشيع المنافع في الحياتين الخاصة والعامة وتبعد المضار عنهما.
ذكر الباحث نماذج من آثار الكلمة حسب الترتيب الألف بائي: آثار السلام، إجابة دعوة الداعي لله تعالى وحب الله تعالى والحصانة من الشيطان والحفظ والخير وخير العلى والرزق والطمأنينة وفضائل القرآن الكريم وفوائد كتابة المعاملات والإشهاد عليها مع شرح مختصر لكل واحدة منها مستشهدا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية وروايات أهل البيت عليهم السلام.
ثم ختم الفصل بالمسؤولية الجزائية للكلمة مقارنة بالقانون الوضعي، ذلك لأن الآثار السلبية للكلمة هي ترتب عقوبة على صاحبها مما يجعل الفرد تحت طائلة المسؤولية، فهو مسؤول عن كلامه ويحاسب عليه فتعرض العقوبة عليه، فهناك مسؤولية جزائية يتحملها مستعمل الكلمة سواء بالنطق أو بالإستماع أو بالكتابة، لأن الكلام هو عمل يقوم به الفرد وهو مسؤول عن عمله فهو مسؤول عن كلامه ويحاسب عليه يوم القيامة.
ثم أقدم بتعريف المسؤولية الجزائية في المصطلحين الفقهي والقانوني ومفهوم الجريمة والعقوبة في اللغة والإصطلاح الفقهي والقانوني، وإعتمد قانون العقوبات اللبناني وركز على الجرائم الكلامية في القانون الوضعي كتابة وقولا مثل التحقير والتزوير والذم والقدح واليمين الكاذبة ذاكرا عقوبات كل منها حسب قانون العقوبات اللبناني.
وكان للباحث محاولة في إجراء مقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في مواجهة الجرائم الكلامية في نموذجين مشتركين هما الكذب والذم واليمين الغموس والكاذبة، حيث توصل في هذه المقارنة بين العقوبتين بأن واضع العقوبة في الفقه الإسلامي هو الله تعالى وفي القانون الوضعي هو البشر وأن العقوبة القانونية غير رادعة ولا تحفظ كرامة الآخر بخلاف العقوبة الشرعية بنوعيها الدنيوي والآخروي فإنهما يردعان مستعمل الكلمة في غير إطارها الشرعي حيث يشعر بالمسؤولية امام الله تعالى.
في خاتمة الرسالة ذكّر بأهداف أطروحته الجامعية وتحديد التوصيات في التعامل مع الكلمة لتجاوز المسؤولية الجزائية وجلب الفوائد والآثار من إستعمالها بيّنها ضمن الإستنتاجات والمقترحات.
في محور المقترحات إعتمد على التركيز على توعية الناس حول إستعمال الكلمة لكسب الفوائد وتجنب المخاطر من خلال القيام بدورات تربوية لإعداد المواطن الصالح الواعي لخطابه مع الآخر، وعرض برامج إذاعية وتلفازية حول الكلمة تحت عنوان ” الكلمة بين المنافع والمخاطر” وبعث رسائل عبر وسائل التواصل الإجتماعي تحث على الخطاب الهادي وتبني المسؤولية الجزائية في الشريعة والقانون وإعتماد الخطب الدينية كممارسة يومية من قبل العلماء ليكونوا قدوة حسنة للآخرين.
والتركيز على التذكير بالعقوبة الأخروية عند إساءة إستخدام الكلمة والتأكيد على المراقبة الذاتية للفرد نفسه والمراقبة الإلهية لجميع أعماله وذلك عبر الخطب الدينية والكتب التثقيفية والبرامج الإذاعية والتلفازية ووسائل التواصل الإجتماعي المختلفة وإعادة صياغة مواد العقوبات في الشرعية والقانون الوضعي بشكل واضح ومبسط ليطّلع الناس عليها ويفهمونها جيدا، وإعادة النظر في عقوبات القانون الوضعي لتكون أكثر فعالية في منع الجرائم الكلامية حتى تردع المرتكبين ولا سيما أن هناك موانع تحول دون تنفيذ العقوبات الشرعية كالحدود والتعزيرات.
إن هذه الأطروحة بشكل عام تدل على طول باع صاحبها في البحث والتدقيق والنظر وقدرته على تناول الأبحاث بشكل علمي وموضوعي تؤهله للإنطلاق في مجالات البحث العلمي، وأسجل هنا توفيقه في الإعتماد على المصادر الأولية في البحث الأمر الذي أعطى للدراسة قيمة علمية، ناهيك عن المراجع المذكورة في فهرست البحث تكشف عن مسح شامل وكامل للمصادر والمراجع المتصلة بموضوع بحثه يشير إلى جلد وصبر ومثابرة الباحث المحترم.
وأيضا أسجل حسن لغته المعتمدة في الدراسة فهي لغة سليمة بعيدة عن الركاكة والإبتذال وعن التصنع والشاعرية.
هذا وقد بذل الباحث سماحة السيد المكرّم جهدا في إنجاز دراسته العلمية نتمنى له كل التوفيق والحمد لله رب العالمين.
قصيدة الشيخ ابراهيم النصيراوي
لا زلت ترقى في ذرى العلياء يابن الكرام وخيرة الآباء
ولقد عهدتك عالما ومعلما بمسيرة حفلت بخير عطاء
(أمحمد الهادي) بوصفك أحرفي نطقت فقصر بالثناء ثنائي
خلق ودين واستقامة منهج ومكانة فاقت على إطرائي
قد كنت لي خلا وعشنا عمرنا بمودة ومحبة وإخاء
فحباك تكريما أخ قد سره نيل العلا لرجالنا النبلاء
هو (حامد الخفاف) فاض نميره حبا فقدمه بكأس وفاء
لما رآك وأنت في درب العلى تخطو بعزم ثابت وإباء
من حوزة النجف الشريف تفتحت أغصان علمك وارتوت بولاء
واليوم في بيروت نلت شهادة علمية بجدارة ودهاء
قد توجوك بها وإنك أهلها فأتتك ماشية على استحياء
إذ أنت وهج من شعاع كواكب ملأت سمانا في أجل ضياء
بك يا ابا حسن اقول مؤرخا تزهو الشهادة يا فتى العلماء
1437 هـ
قصيدة الشاعر الاستاذ عباس عياد
بسم الله الرحمن الرحيم
أسعفيني خواطري البيضاء لأشظي غيومي السوداء
ودعيني أعير سحر الليالي شغفاً من هوىً يفيض ولاءَ
ودعيها تلمُّ وجهاً حزيناً رعشة أترعت رؤاي انتشاءَ
شربتها العيون صفو إخاء لم أعوّد إلا الصفاء إخاءَ
هاتفٌ رنّ والصدى خفق قلبي “حامد” يستثير فيّ الوفاءَ
وله في الفؤاد ما هو أدرى كيف في وصله يلبي النداء
يستثير الوفاء فيّ حروفاً لتغني عمامة سمحاءَ
نسجها من خيوط عشقِ عليّ ما أحيلى السواد يزهو بهاءَ
شمتها فانبرى تراب غريٍّ فوق عينيّ يستطيل سماءَ
أذهلتني فراقد الفكر فيها حين شبت فقاهة غرّاء
من تليد الضياء مجدِ جدودٍ ورّثته الأبوّة الأبناء
وبدا البرّ في رشاد وهدي قامة آخت السهى شمّاءَ
لم تنل سيّدي شهادتك العليا ولكن نالت بك العلياءَ
ومتى؟!.. قل يا شعر أرّخ بجزمٍ كم مداد الخرسان يجري سناءَ
1437 هـ
كلمة وقصيدة السيد جودت القزويني
بسم الله الرحمن الرحيم
تربطُني بآل السادة الخرسان روابطٌ بعيدة. فقد كانوا مع أجدادنا منذ القرن التاسع عشر، في حلْبةٍ واحدة من حلبات العلم والأدب وقد سجّلت المجاميعُ مطارحات أدبية غاية في الإبداع، مما بنضم إلى أدب تلك المرحلة التي عُرفت بها مجالس النجف الشعرية الحرة.
وفي عصرنا هذا، حالفني الحظُّ أن أنعم بجدّ “الهادي”، المحتفى به، ذلكم هو العلامة الحجة السيد حسن الخرسان رحمه الله. فقد كان نسيج عصره وواحدهُ في التقوى والعلم والعرفان، وهو والد العلمين المعظّمين السيد محمد مهدي الخرسان والسيد محمد رضا.
كنت دائماً ألتقي سماحة السيد حسن بالحضرة العلوية المطهّرة فأقطع عليه تبتّله ودعواته، وكنت أسمع منه هذه العبارة التي يخاطبني بها: أنا شيخٌ مُدبر وأنت شابٌ مُقبل، والعمل مني حسن والعمل منك أحسن”. كان ذلك أوائل عام 1973 الميلادي.
أمّا ولده العلامة المحقق السيد محمد مهدي (أمدّ الله ظلاله الوارفة علينا)، فقد كان مدرسة في التربية قائمة بحد ذاتها.
عندما أهديت له بعض كتبي يومذاك ترك ملاحظاته عليها. كنت أسأله بكلّ شيء يخطر ببالي، ولا أبالي. فكثيراً ما أشكلت على الصراع الذي ورد في كتب التاريخ بعد مرحلة رسول الله (ص)، فكان يقول لي: تساؤلاتك هي التي توصلك إلى الحقيقة، ولا يهتم إذا كانت الحقيقة توافق هواه أو تخالفه.
كان هذا العَلم الكبير عندما أدعوه إلى داري ببغداد يُلبّي دعوتي، ويبيت عندي. كان يملأ الدار بأنواره القدسية.
وعندما أقصد زيارته بمدينة النجف الأشرف كان يشعرني كأني واحد من أقرانه، وإن أكن من طبقة أبنائه. كان يقول لولده الصالح: اجلب “لعمّك” الطعام أو الشراب، أو هيىء “لعمّك” المساند، ويكرّر كلمة “عمّك”، وأنا بذلك العمر، ممّا يدخلني برهبة التقدير ومهابة الاحترام.
عندما زرته السنة الماضية (سنة 2015) بعد غياب دام بيننا سبعة وثلاثين عاماً، بمسجد الترك الذي يؤم الصلاة فيه، انتظرته قبيل صلاة المغرب. وعندما أقبل سلّمت عليه، وقلت له باللسان الدارج: “سيدنا عرفتني؟” فنظر إليّ باستغراب وقال: “كُبَرْنا”. والحال أن ملامحي ضاعت عليه، فتخطّاني بمشيته لكني دنوت منه وهمستُ في أذنه: أنا “فلان”. فعندما سمع اسمي تسمّر بمكانه ورجع خطوتين إلى الوراء محدّقاً بوجهي ورادّاً عليّ التحية، ثمّ قال بصوتٍ خفيض: “وين رحت، وين اتركني.
تجمدت الكلمات على فمي، ولم أستطع الرد عليه إلا بالنحيب وانفجار الدموع، فتركني متوجّهاً إلى المحراب، وغاب في مناجاته.
إن تكريم السيد محمد هادي السيد محمد رضا الخرسان هو تكريم لتاريخ هذه السلالة العتيدة ورجالاتها، رجال الشريعة والفقه والتاريخ والشعر والأدب.
وهو تكريم للحوزات العلمية النجفية التي أنتجت مثل هؤلاء العلماء الفحول ولا غرابة فحزمة النور لا بدّ أن ترجع إلى مشكاتها لتستطيل، ورائحة العطر لا بدّ أن تشير إلى صفة الورد.
القصيدة
خلِّ عنكَ التكريم، فالله أبقى كلُّ ما عندنا من الدرّ أنقى
أيُّهذا “الهادي” السبيل سلاماً لك أهديه طالباً منك رفقا
لم يَزدْكَ التكريمُ يا ابن أناسٍ حفظوا الدين بالنقاء ليبقى
كلَّما جئتُ صائغاً لك عِقْداً طوّقتك الصفاتُ للنُبل طوْقا
ساهرٌ دائبٌ على الدرب سارٍ وهُمامٌ يهتزُّ للخير شوقا
أنت يا من قد نلت مجداً وعزّا كلَّ نلتَهُ بنهجك يبقى
قد ورِثت السماتِ من نسل قومٍ عشقوا الفضل والمكارم عشقا
كم مدانٍ نجا بكفٍّ أشارتْ نحو بحر الحياة، والناسُ غرقى
إنما هذه الحياةُ كتابٌ كلّ سطرٍ يضجُّ بالصمت نطقا
طالعتنا ونحن فيها نيامٌ ليس نقوى على التمرّدِ خرقا
قد سبَرْنا أغوارَها ثمّ عُدنا نحسب الوهم والجهالة حقّا
ليتنا حينما أتينا إليها أعتَقَتْنا عن المعاناة عِتْقا
يا سليلَ الكرام، حسبُك فخراً أنت من أطهرِ البريّةِ عِرْقا
من أبيكَ “الرضا” حملتَ لواءً بيرقاً للمسارِ قد صار بَرْقا
وبنور “المهديِّ” عمِّك نلْنا ما يجدُّ الخُطى إلى المجدِ سِبْقا
وبعزمٍ من جدّك “الحسنِ” الفردِ، مهاباً من “التقاوةِ” أتقى
يا رعى الله فتيةً أمناءً كلُّ فردٍ كالقلب يخفقُ خفقا
دمتم للعُلى منابعَ فضلٍ كغَمامِ السماءِ ينسابُ دقا
قصيدة سماحة الشيخ حسن شاهين
15 رمضان 1437 هـ
هتف القريض وكنت فيه الملهما فأتى مطيعاً بالمودّة مفعما
وانساب بحراً كاملاً متفاعلاً كيما يوافي في الصعود الأنجما
وجرى قصداً نحو مجدك ساعياً لأراه في الأفق الرفيع تسنّما
ألبست للألفاظ ثوب بعارف والحرف منها في علاك ترنَّما
فأنخ رحالك حيث شئت فإنّما تضع المعاني للحروف معلِّما
كرَّموك على العلوم فحسبهم الله حيّا الملهمين وكرّما
يا بن الهداة الطيّبين مآثراً والمعرقين مناقباً وتقدُّما
إنّي حملت الشعر شوقاً والهوى نحو الغريّ وكربلاء مقسّما
نفحات حبّ والولاء يسوقها وعلى هوى الأجداد كنت المعلما
يا سيّداً نثر الحروف لآلئاً فغدا نضاراً ما نثرت وبلسما
واليوم جئنا كي نعظم من غدا في نصّ آيات الكتاب معظّما
وحسبت أني قد غدوت مكرِّما فإذا بشعري فيك عاد مكرَّما
أكرم بخرسانٍ شريفاً سيّداً صاغت براعته الكتاب فتمتما
وبسفره عبق الأريج مضوعاً كالصبح أشرق نوره متبسماً
فنمت معان في بديع بيانه مثل الربيع مزهّراً ومنمنما
الأبجدية أحرف أسرجتها فأضأت منها حالكاً أو مظلما
فانعم بعلم قد رفعت لواءه تلقاه نوراً في الحساب مجسَّما
يا سيّداً شهد الجميع بفضله لا غرو إن تاج علاك فتمّما
يا بن الذين تنوّرت أفكارهم بهدى الأمير تبصُّراً وتفهُّما
الحافظين شريعةً وشعائراً والمنجبين مفوَّهاً ومعمَّما
السيّد السند المكرَّم هادياً من بات في أمّ اللغات مقدّما
فأرى الفرزدق معجماً ببيانه ولسانَ قُسٍّ بالفصاحة أبكما
فاقبل قصيدي في علاك مسلّماً صلَّى الإله على النبي وسلَّما
قصيدة الأستاذ حسن معتوق
إليك محمد مني سلاماً رأيتك نوراً يشق الظلاما
وتبدع علماً طريفا فريداً يزهو كؤوساً ويصفو مداما
وتملأ دنياك عطراً ونوراً وتنشر في الجو فاءً ولاما
نماك إلى السيستاني نهج وفكر إلى المجد كم ذا تساما
شرحت الكلام بمنظور دين فنلت الأماني شرفت مقاما
ويعجبني منك خلقٌ رفيعٌ ويصفيك قلبي هوى هياما
على منهج السيستاني سرنا تقدس نهجاً وعزَّ إماما
عليٌّ فديتك بالمقلتين بفقه وعدل تسوس الأناما
إذا ما أشرت بإحدى اليدين ترى الناس بين يديك قياما
كان محمدٌ في هديه يود الكلام يكون إلتزاما
وربّ كلام أثار كلوماً وآخر يهدي الجراح التئاما
وربّ كلام تبارك نصحاً رب كلام يجرّ الملاما
وربّ كلام يزيد الجراح وربّ كلام يزيل السقاما
وربّ كلام أثار حروباً تسجّر حتّى تشب اضطراما
وربّ كلام يحل الوئاما وربّ كلام يهيج الخصاما
أبنت لنا كلمات تمشّت على الطّرس تبرا وأخرى رغاما
ففيهنّ شوكٌ وفيهنّ وردٌ وفيهنّ عطرٌ يفوق الخزاما
وفيهنّ زهرٌ وفيهنّ شيحٌ وفيهنّ نوراً أرى أو ثماما
وقد يكسب القول حمدا وذمّا وقد يكسب القول داءً عرما
وللصمت خيرٌ ولكن تكلّم حكيماً لبيباً ملكت الذّماما
رأيتك تختار خير الكلام شواهداً ترفع للمجد هاما
كأنّ حديثك من عسجد يلطف معنى يرقّ كلاما
وحسبك في شرح معنى الكلام تنير سبيلاً تميط اللّسان
نماك إلى المجد فرع نبيلٌ أبٌّ بعد جدّ توالوا كراما
وإن كنت نجل فقيه رضيّ فما كنت في الجدّ إلاّ عصاما
عرفتك قدماً بطيب الخصال تبرّ بوعد وترعى الذّماما
ولم أرى وجهك إلاّ منيراً وثغرك يفتر منك ابتساما
فطوبى لهذا الذّي أنت فيه حزت الفخار ونلت الوساما
وشكراً لحامد في فعله بتكريم من قد أحلّ الوئاما
خذا من فؤادي ثناءً جميلاً يروع نظاما ويزهو ختاما
كلمة شكر لسماحة العلامة الدكتور المكرّم السيد محمد هادي الخرسان
كلمة الشكر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين بجميع محامده كلّها على جميع نعمه كلّها والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أيها الأخوة الأعزاء يتضمن حديثي إليكم عرضاً وشكراً ،أما العرض فلموضوعين هما :
موضوع هذا الحفل التكريمي والأمسية الرمضانية .
موضوع أطروحتي للدكتوراه.
أما موضوع هذا الحفل التكريمي والأمسية الرمضانية فلقد تلقينا وإياكم دعوتين أولاهما: دعوة عامة في هذا الشهر المبارك إلى ضيافة الله تعالى فنكون من أهل كرامة الله تعالى دعانا إليها سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم، وأخرهما: دعوة لحضور هذه الأمسية المنعقدة لتكريمي و التي صاغتها يدُ فاضلٍ كريمةٌ فدعت إليها باسم مكتبةٍ ذات كتب قيمة لتعقد في قاعة تضوّعت بعبق الشهادة وأريج الكرامة، ضمّها صرحٌ للصادق انتمى أسس على البر و التقوى وشيد بولاء الإمامة والهدى مرفرفاً عليه لواء سيدنا الأستاذ آية الله العظمى سماحة السيد السيستاني دام ظله الشريف ،وفي رحاب ذكرى ولادة سيدنا الإمام الحسن السبط عليه السلام أعادها الله عليكم وعلينا بالقبول والعافية لنا ولكم وبهذه المناسبة أتقدم منكم وإليكم بالتهنئة لكم و التبريك فيكم وعليكم إنه سميع مجيب.
أيها الأخوة الأعزاء وأما موضوع أطروحتي للدكتوراه. فعنوانها : الكلمة في المنظور الإسلامي دلالاتها-ضوابطها الشرعية-آثارها-مسؤوليتها الجزائية.
الكلمة تسري في حياة الإنسان سريان الروح في الجسد ؛فالإنسان يتعامل معها بمختلف أشكالها :المقروءة والمنطوقة والمسموعة، وفي غالب أحواله؛ فهو يقرأ الكلمة ويكتبها، وينطق بها ويسمعها ،حتى في صمته وهو يفكر ترتسم الكلمة في مخيلته ؛ فيتابعها بالقراءة الصامتة، بل الناطقة أحياناً . أراد الله تعالى للإنسان أن يضبط تحرك الكلمة ، وان يشعر بالمسؤولية حين يتناولها ؛ فهي ليست مجرد أصوات يلفظها كيفما شاء ، وبأي اتجاه أراد ، أو يستمع إليها مهما كانت، ولا هي خطوط يرسمها بأي معنى أراد ، وفي أي وسيلة يختارها . الكلمة مسؤولية يتحملها الإنسان ، وموقف يحاسب عليه الإنسان عند الله عزّ وجلّ ؛ولذا جعل الله تعالى ضوابط لاستعمالها ، وحدّ حدوداّ لها، قال تعالى في سورة (ق)18 : (مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ ). ولما كانت الكلمة مسؤولية وموقفاً؛ فعلى الإنسان تلمّس مواطن المسؤولية ،وتتبع ضوابط الموقف ، ليسلم من العذاب يوم القيامة ، فيدخل الجنة مع الفائزين.
و لما كانت الكلمة بهذه الصورة من الأهمية ؛ شعرت بضرورة البحث حول دلالاتها ، وضوابطها وآثارها ومسؤوليتها الجزائية ؛ لأضعها أمام الإنسان في صورة بحث جامعي ، يتميز _ كشأن أي بحث جامعي_ بالتحديد والتوضيح والجمع ، بدلاً من الحديث عموماً وفي مجالات شتى فتقدّمت بهذه الأطروحة إلى كلية الإمام الأوزاعي للدراسات الإسلامية في بيروت وتمّت مناقشتها ولله الحمد في يوم الجمعة بتاريخ 4/5/1437ه الموافق12/2/2016م فنالت درجة جيد جداً .وإليكم أقدم ملخصاً عنها:
أ- عالجت هذه الأطروحة إشكالية عدم شعور الفرد بالمسؤولية إزاء استعمال الكلمة المنطوقة والمسموعة والمكتوبة بمختلف وسائل التواصل مع الآخرين فلا يعتبر نفسه مسؤولاً أمام الله تعالى وقد وضع تعالى ضوابط للتعامل مع الكلمة ، وشرّع أحكامها وبيّن آثارها، وحدّد المسؤولية عند تجاوزها من خلال الصحة والبطلان والعقوبة والحدود في الدنيا ، ومن خلال الثواب والعقاب في الآخرة .
ب – تكمن أهمية هذه الأطروحة فيما تهدف إليه من بيان لنظرة إسلامية إلى الكلمة من خلال الكتاب العزيز ، والسنة المباركة . وفي إجراء مقارنة بين التشريع الإسلامي وبين القانون الوضعي؛ والتي بها يتمّ التعرّف على نقاط الالتقاء و الافتراق بينهما.
وصولاً إلى التعريف بالطاقة الفكرية الشاملة للفكر الإسلامي في مختلف جوانب الحياة الإنسانية، وبالمسؤولية التي يحمّلها الإسلام للمتعاملين مع الكلمة ؛ حرصاً منه على انتظام الحياة الدنيا ، وسلامة الموقف في الحياة الأخرى.
ج- ضمّ مخطط الأطروحة مقدمة وتمهيداً وخمسة فصول، تناول الفصل الأول دلالات الكلمة في اللغة والنحو والبلاغة وأصول الفقه والفلسفة .وعرض الفصل الثاني لحكم الكلمة في الكتاب العزيز والسّنّة الشريفة من حيث إنها كلمة طيبة أو كلمة خبيثة. واستعرض الفصل الثالث مجالات الكلمة في الكتاب العزيز والسّنّة الشريفة ، والمجالات بحسب الاستقراء ثلاثة هي: العقيدة والفقه والأخلاق. وحدّد الفصل الرابع الضوابط الشرعية العامة والخاصة للكلمة. بينما الفصل الخامس بيّن الآثار الإيجابية للكلمة الطيبة في مبحث ، وحدّد أيضاً المسؤولية الجزائية للكلمة الخبيثة في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي في مبحث آخر.
د- أهم ما توصّلت إليه من نتائج:
أولاً : تنوع دلالات الكلمة في العلوم والآداب ففي اللغة والبلاغة تشمل الكلمةُ اللفظةَ الواحدة والجملة ، وإن لم يفيدا معنى ،و هذا الرأي بخلاف ما في أصول الفقه فإنه شَرَطَ أن يفيدا معنى ، بينما النحو خصّها باللفظة الدالة على معنى. وأما الدلالة الفلسفية للكلمة فهي : الموجود والحقيقة المحمدية والإنسان الكامل إذا أضيفت إلى الله تعالى .
ثانياً : الكلمة بحسب ما ينتج عنها إما كلمة طيّبة إذا نتج عنها: النفع والصلاح والفائدة ، وإلا فهي كلمة خبيثة.
ثالثاً : الضوابط الشرعية إما عامّة وتشمل مجالات الكلمة كافةً وهي ست ضوابط كما يلي : 1- اتباع العدل. 2- الإخلاص . 3- الإرادة . 4- الدعوة للحق . 5- العقل . 6- مراقبة الكلام .
وإما خاصة بمجال ما ، وهي عشر ضوابط كنماذج على النحو التالي :1-الاختيار . 2- البلوغ. 3- التثبّت .4 – الحُسن. 5-الضبط. 6- العربية . 7- القدرة. 8 – القصد. 9- الكتمان. 10- النُطق.
رابعاً: تنتج الكلمة الطيبة آثاراً نافعة منها: 1 –إجابة دعوة الداعي لله تعالى. 2- حبّ الله تعالى . 3- الحصانة من الشيطان. 4-الرزق. 5- الطمأنينة.
وهناك مقترحان اقترحتهما لأني أجدهما نافعين للفرد والمجتمع وهي:
أولاً: توعية الناس حول استعمال الكلمة لكسب الفوائد وتجنّب المخاطر, و ليكون الخطاب العام للفرد والمجتمع خطاباً هادفاً وهادئاً , مع التذكير بالعقوبة الأخروية عند إساءة استخدام الكلمة , والتأكيد على المراقبة الذاتية للفرد نفسه ,والمراقبة الإلهية لجميع أعماله , وذلك من خلال ما يلي:
أ- القيام بدورات تربوية لإعداد المواطن الصالح الواعي لخطابه مع الغير لأي جنسية أو طائفة , أو عِرْقٍ أو دين أو لسان انتمى.
ب- عرض برامج إذاعية وتلفزيونية حول الكلمة .
ج- بعث رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تحثّ على الخطاب الهادئ وتبيّن المسؤولية الجزائية في الشريعة والقانون.
د- اعتماد الخطب الدينية أسلوب الخطاب الهادف والهادئ كممارسة يومية من قِبَل العلماء ليكونوا قدوة حسنة للآخرين.
ثانياً- إعادة صياغة مواد العقوبات في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي بشكل واضح ومبّسط ليطّلعَ الناس عليها ويفهموها جيداً ، مع إعادة النظر في عقوبات القانون الوضعي لتكون أكثر فاعلية في منع الجرائم الكلامية .
هذا العرض وأما الشكر، أقف بينكم وأمامكم وبعد حمد الله تعالى على ما أنعم ،وله الشكر على ما ألهم ؛ أسجل تقديري وأعرب عن شكري لكل مَنْ آزرني في عملي الجامعي هذا، كما ألهج بكلمات الشكر والثناء والعرفان بالجميل لكل من أسهم في هذا التكريم مبدأً وختاماً لأن الشكر لغة هو عرفان الإحسان ونشره وإذاعته بين الناس ليعرفوا إحسان المحسن إلينا والشكر خلق حميد وفعل جميل فأبدأ بشكر الله عزّ وجلّ على نعمه التي لا تعدّ ولا تحصى وقد أمرنا بشكره جلّ شأنه فقال تعالى ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ لقمان: ١٢. بل شكره تعالى من صميم عبادته قال الله تعالى ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ البقرة: ١٧٢ وأراد تعالى شأنه لنا شكر غيره أيضاً فقال الله تبارك ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِير﴾ لقمان: ١٤ .
وسيد الأوصياء وإمام البلغاء أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة يرشدنا إلى قيمة الشكر فيقول : (الشكر زينة الغنى) وإلى دوره في حياتنا فيقول: ( ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة) وصاحب الذكرى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام في المروي عنه يدعونا إلى (الخير الذي لا شرّ فيه: وهو الشكر مع النعمة والصبر على النازلة). بل يرى عليه السلام ( اللؤم أن لا تشكر النعمة).
فعرفاناً بالجميل وتقديراّ لكل الجهود القيمة ،أقدّم شكري الجزيل لكم كافةً مقروناً بالدعاء، وأخصّ السادة الكرام الذين عبّروا عن مشاعرهم وعواطفهم من خلال إسهامهم الأدبي المتميز ،فإلى أخي العزيز الحاج حامد الخفاف سلّمه الله شكري وامتناني ودعائي بمزيد من التأييد والتوفيق له ولإخوانه في جمعية آل البيت عليهم السلام الخيرية وإلى الأخ الجليل صاحب السماحة الدكتور الشيخ مهدي الغروي أعزّه الله تقديري واحترامي ومحبتي ، وإلى الأخ سماحة العلامة الشيخ حسن شاهين دام عزّه شكري وتقديري وإلى رفيق الدرب الأخ سماحة الدكتور الشيخ إبراهيم النصيراوي حفظه الله محبتي وشكري وإلى الأخ الفاضل الأستاذ السيد جودت القزويني المحترم محبتي وتقديري وإلى الأخ الفاضل الأستاذ عباس عيّاد لا فُضّ فوه شكري وامتناني وإلى الأخ الفاضل الأستاذ حسن معتوق المحترم طيب الله أنفاسه تقديري وشكري مع الدعاء والتحية و إلى سماحة حجة الإسلام السيد علي الحسني دام عزّه محبتي و دعائي ،وفي الختام أضرع إلى العلي القدير سائلاً الغفران والقبول أنه سميع مجيب والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة وبركاته.



